سونيا فارسي… تجارب وتحديات مع زجاج يتنفس نارا، ليبوح للمتلقي بإبداعات فريدة تكشف صلابة الروح بقلم الأستاذ مصطفى بخشي

104

سونيا فارسي…
تجارب وتحديات مع زجاج يتنفس نارا،
ليبوح للمتلقي بإبداعات فريدة تكشف صلابة الروح
بقلم الأستاذ مصطفى بخشي

في المشهد التشكيلي التونسي، حيث تتعدد الأساليب وتتنوع المواد، تبرز الفنانة سونيا فارسي فارس بوصفها من الأسماء النادرة التي جعلت من الزجاج فضاء للبوح ومختبرا للبحث الجمالي والفلسفي. ولدت سونيا في القيروان، وتدرجت في مسارٍ أكاديمي صلب بدأ بالحصول على شهادة من المعهد العالي للفنون الجميلة بنابل، وصولا إلى شهادة الدكتوراه في علوم وتقنيات الفنون من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس. بين هذين المحطتين، تشكلت لغة فنية خاصة بها، لغة تحتاج إلى نار، وإلى شفافية، وإلى يقينٍ داخلي يقول إن الجمال ليس مجرد شكل… بل معاناة وصبر واختبار.
منذ بداياتها سنة 2006، فرضت سونيا فارس نفسها حضورا ثابتا ومضيئا في الساحة الفنية التونسية، إذ لم تغب عن المعارض الجماعية، وشاركت في ملتقيات فنية داخل تونس وخارجها، مكرسة انفتاحا مستمرا على التجارب الدولية. لكنها، ورغم هذا الامتداد، بقيت وفية لمادتها الأولى: الزجاج… تلك المادة التي تبدو ساكنة، باردة، وحيادية، قبل أن تضعها بين يديها، فيتحول كل ما فيها.
حين يتنفس الزجاج… وتتشكل القصص
في أعمال سونيا فارسي، لا يُعامل الزجاج كجسد صلب، بل ككائن قابل للتحول، قادر على حمل الذاكرة، والجرح، والضوء. ومن خلال تقنيتي الانصهار الزجاجي و التشكيل الحراري، تذهب الفنانة نحو درجات حرارة تصل إلى 800 درجة مئوية، حيث تتلاشى الحدود بين الأجزاء، وتذوب التشققات، وتنصهر الألوان، لتولد صيغ تشكيلية جديدة لا تُشبه ما قبلها.
لكن العملية ليست تقنية فقط، إنها رحلة وجودية كما تصفها الفنانة نفسها. فالصهر يشبه لحظات الانهيار الداخلي التي يمر بها الإنسان حين تجتاحه الحياة. أما التبريد التدريجي، فهو أشبه بفترات التأمل والهدوء التي تلي العاصفة. بين النار والهدوء، تختار سونيا أن تُدخل إلى الزجاج خيوطا نحاسية، أكاسيد معدنية، أو ذرات من الذاكرة، فتغدو القطعة الفنية مركبا من عناصر تحكي معا قصة لا تقرأ بالعين فقط، بل تلمس بالحواس.
من الديكور إلى اللوحة: دفاع عن الفن بوصفه خطابا
تتمسك سونيا فارس بوعيٍ فني يجعلها ترفض اعتبار أعمالها مجرد تحف ديكورية. فهي تؤمن بأن الزجاج قادر على لعب الدور نفسه الذي تلعبه اللوحة التشكيلية الحديثة. وترتكز في هذا التوجه على رؤية الناقد موريس ديني الذي كتب عام 1890 جملته الشهيرة:
ليذكر أن اللوحة، قبل أن تكون حصانا أو امرأة عارية أو قصة، هي سطح مستو مغطى بألوان مرتبة بنسق خاص.
وسونيا تجسد هذا القول بحضور لافت، ففي أعمالها، يصبح الزجاج سطحا للانفعال، مساحة لخلق حوار بين اللون والخط والملمس، وبين الضوء والظل. حتى تلك – الانتفاخات – الناتجة عن التفاعل الحراري تتحول إلى لغة بصرية تعبر عن الندوب الداخلية، عن الألم الإنساني، عن الجراح التي تنتمي للجسد كما تنتمي للتاريخ. ولذلك، لا غرابة أن يتسلل إلى أعمالها صدى القضية الفلسطينية، أو نبض الإنسان التونسي الذي يكابد التفاصيل اليومية ويبحث عن معنى للعبور.
فن يطرح الأسئلة… ولا يقدم أجوبة جاهزة
في معارضها، لا تسعى سونيا فارسي لإبهار العين فقط، بل لإيقاظ السؤال. لماذا تنكسر بعض القطع؟ لماذا يظل بعضها الآخر صامدا رغم الحرارة ؟ ماذا يحدث حين تتصارع النار مع الشفافية ؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فحسب، إنها أسئلة عن الإنسان، عن هشاشته، وعن صلابته في الوقت نفسه.
فكل قطعة زجاجية تخرجها الفنانة من الفرن هي تجربة مخاطرة: قد تنجح، وقد تنكسر. وقد تكون النتيجة جميلة أو مبتورة. لكن هذا جزء من فلسفة الفنانة، التي ترى أن قيمة الفن لا تكمن في الكمال، بل في الشجاعة التي تسبق الانصهار، وفي الاستعداد لقبول النتيجة مهما كانت، لأنها تحمل حقيقتها الخاصة.
البحث عن الجوهر الإنساني عبر مادة شفافة وصلبة
مشروع سونيا فارسي يتجاوز حدود التجريب المادي، ليتحول إلى مسار بحث مستمر عن الجوهر الإنساني عبر مادة تحتمل التناقض: فهي شفافة لكنها قاسية، قابلة للكسر لكنها تصمد أحيانا أكثر مما يتوقع، قابلة للانصهار لكنها تعود دائما بشكلٍ جديد. وكأن الفنانة تعيد صياغة حكمة الوجود عبر قطعة زجاج: قد ننكسر، نعم… لكننا قد نعود أيضا أكثر جمالا، أكثر عمقا، وأكثر شفافية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.